صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
13
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ « 1 » ، وقد يراد به التمهيد والتدريب على التمكين في الأرض ، نظرا لما يعقب هذا الابتلاء من الصبر في الشدائد « 2 » وتحمّل المشاق ، واليقين بأن للّه تعالى حكمة في كل ما يصيب الإنسان من خير أو شر ، قال تعالى : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ « 3 » ، وقد أخبر المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم أن جزاء الصابرين على الابتلاء بالضراء هو الجنة ، فقال عليه الصلاة والسلام : « يقول المولى عز وجل : إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته عنهما الجنة » يريد عينيه ، وقال عليه الصلاة والسلام : « من ابتلى بشيء من البنات فصبر عليهن كنّ له حجابا من النار » « 4 » . وإلى هذا المظهر من مظاهر الابتلاء أشارت الآية الكريمة : لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ « 5 » . 2 - الابتلاء بالمعاصي أو السيئات : وهذا المظهر لا يقل عن سابقيه من حيث خطره وتأثيره في حياة الأمم أو الأفراد ، وقد كان آدم أبو البشر هو أول من تعرض لهذا النوع من الابتلاء عندما أكل من الشجرة التي نهاه اللّه عنها . وقد سجل القرآن الكريم هذه الواقعة في قوله سبحانه : وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ « 6 » . وقد أشار ابن قيم الجوزية إلى ثمرة هذا الابتلاء عندما قال : لو لم تكن التوبة أحبّ إلى اللّه لما ابتلى بالذنب أكرم المخلوقات عليه ( آدم عليه السلام ) فالتوبة هي غاية كل كمال آدمي وقد كان كمال أبينا آدم عليه السلام بها « 7 » . 3 - الابتلاء بالسراء أو الخير : يبتلى الإنسان على المستوى الشخصي بالنعماء أو الخير فتنة وتمحيصا ، وذلك بأن يعطيه اللّه المال والجاه أو العافية والمنصب والأولاد ونحو ذلك ، وهذا المظهر من أهم مظاهر الابتلاء نظرا لما يعقبه من شكر للنعمة أو كفر بها ، قال تعالى فيما يحكيه القرآن عن سيدنا سليمان قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ « 8 » ، وشكر النعمة يعقبه زيادتها ، أما كفرانها فإنه يورث الطغيان والكبر
--> ( 1 ) العنكبوت / 2 - 3 . ( 2 ) انظر صفات : الصبر ، الرضا . ( 3 ) السجدة / 24 . ( 4 ) انظر في تخريج هذين الحديثين ، الحديث 15 ، 31 في صفة الصبر . ( 5 ) آل عمران / 186 . ( 6 ) البقرة / 35 - 36 . ( 7 ) مفتاح دار السعادة 1 / 286 ، وانظر صفة التوبة في هذه الموسوعة ، وقارن ب « حكمة الابتلاء بالمعاصي » . ( 8 ) النمل / 40 .